محمد جواد مغنية
283
في ظلال نهج البلاغة
مع الناس ، وبالتوكل على اللَّه والتوفيق منه تعالى ( وان هاج به الطمع أهلكه الحرص ) . الرجاء يولد الطمع ، والطمع يولد الحرص ، والحريص دائم الخوف والتعب ، يخاف على ما في يده ، ويكدح ليل نهار طلبا للمزيد . ( وان ملكه اليأس قتله الأسف ) . أسرف في الطمع وتجاوز الحد لبلوغ الأمل ، فإذا خسر الصفقة وملكه اليأس قتلته الصدمة بعنفها وشدتها . . ولو اعتدل وتحفّظ منذ البداية لهان عليه الأمر ، وبقيت له باقية تخفف عنه ( وان عرض له الغضب اشتد به الغيظ ) وهو لهيب الغضب وفورانه ، وقد وصف سبحانه به نار جهنم في الآية 8 من سورة الملك : « تكاد تميّز من الغيظ » . والغيظ مفتاح كل شر إلا من جاهده بعقل كبير ، وكتمه بصبر وجلد . . ولا شيء أحلى وأجدى عاقبة من تجرع الغيظ وكتمانه . ( وان أسعده الرضا ) ونال من الدنيا ما أراد ( نسي التحفظ ) وأطلق العنان لشهواته وأهوائه ، وذهل من العواقب والمفاجات ( وان ناله الجنوف شغله الحذر ) إذا خاف حذر من كل شيء حتى من خياله ، وهذا هو الجنون والداء القاتل ، لأنه يبعث على الجمود والعزلة ، ويمنع عن الحركة والعمل . والحذر المحمود هو المحرك على الكفاح النافع الواقي ( وان اتسع له الأمن استلبته الغرة ) أي الغفلة . والمعنى إذا أمن على نفسه وماله اطمأن كل الاطمئنان ، وذهل عن المفاجات والمخبآت ، فهو أبدا ودائما مسرف ومفرط ، ان خاف كانت حياته كلها حذرا في حذر ، وان أمن كانت جميع أيامه غفلة وذهولا . . والعاقل يحذر عند الخوف ، ولكن لا على حساب ما يملك من طاقات ، وما يستطيعه من عمل ، وأيضا ترتاح نفسه عند الأمن ، ومع هذه الراحة يحترس من العواقب ويحذر . ( وان أفاد مالا أطغاه الغنى ) وأخذته العزة بالإثم بدلا من التواضع والشكر للَّه على إنعامه وتفضله ( وان أصابته مصيبة فضحه الجزع ) الذي لا يجديه نفعا ، بل يزيد النار تأججا ، ويحوّل أجر المصيبة إلى إثم ووزر ( وان عضته الفاقة شغله البلاء ) ان افتقر سيطر عليه الحزن ، وصرفه عن السعي والتفكير في طريق الخلاص ، وحكم على نفسه بالموت وهو يعيش بين الأحياء ( وان جهده الجوع قعد به الضعف ) كما هو شأن من ضربت عليه الذلة والمسكنة ، أما البطل فيثور ويخلق القوة من الضعف ، ويجاهد بكل كيانه حتى الموت ، أو التحرر من الذل